
أناديها
أناديها
أناديكَ
وأشهق بالخسارة
صديقان في صندوق من العاج لَعِبنا
نكبر
نتكهل
لا وقت للحب
فهلموا يا صحبي نموت .
رنا جعفر ياسين

أناديها
أناديها
أناديكَ
وأشهق بالخسارة
صديقان في صندوق من العاج لَعِبنا
نكبر
نتكهل
لا وقت للحب
فهلموا يا صحبي نموت .
رنا جعفر ياسين

7- 4- 2009
8:47:11 م
كان صوتها ساخنا ورطبا ، لم ألمسه ولم تترك لي الفرصة لاختيار الطريقة المناسبة في اختباره ، ولكنه سقط مباشرة في قلبي وبدأت رطوبته تتسرب إليِّ وهواءه الساخن يحرقني بصورة بطيئة وباشتعال خفيف
كان الرقم غريبا حتى أني ترددت في الإجابة عليه ثم جاء الصوت غريبا ، لم يكن صوتها المجنون الثائر كان آخر كان صوتا لا يشبهها أم أني لم أعرف هذا الجزء منها .

عرفتها صاخبة ثائرة كدمية صغيرة تنطلق من العلبة بسرعة وبصورة مفاجئة لتثير حالة من الفرح والدهشة في كل حضور، كنت أستلقي على ظهري دائما عندما أحادثها ، أغلق عيني وأتأمل صوتها الذي لم يكبر أبدا، صوتها الطفل الذي تركته خلفها حتى لا يهرم
ضحكتها الواسعة التي تصنع دوائر تأخذني إلى الأعلى وأرى الأشياء كلها بعيون غيمة ، ضحكتها فقط تجعلني مليئة كالمطر
هذه المرة لم يكن الصوت قابلا لأن يجعلني شيء مفهوم ، كانت خائفة مرتبكة ورطبة وأنا بعد الدهشة أخذت افتعل الضحك بصورة غير منطقية لم أعرف يوما كيف أسدي لأحدهم مجاملة لطيفة أو كلمة لائقة لمقام الحدث الأشياء الصغيرة مثل هذه تربكني وأكتفي بالابتسام أو الشكر في الأحوال الأفضل ، أصبح ارتداد ضيق وغير ملموس لا يشبه الصمت ولا يشبه الكلام
هذه المرة كنت بحاجة ماسة للكلام لما هو أكبر وأعمق من حدود المجاملة ، أخبرتها أني لم أتعرف صوتها ثم عدت لأعيد الجملة بصياغة أخرى وفي المرتين لم تكترث ولم تعلق كانت محددة تماما وموجزة ، كانت تنطلق بالحديث سريعا وتسكب صوتها وكلماتها في جوفي، ثم تصمت لتختبر وقع انسكابها عليِّ فتجدني أتعلق بتفصيل صغير لغرابة صوتها ولم أتجاوزه ، كلمات كمسافرة ، في المطار ، لن أعود قريبا ، قد لأراكِ … لم أستطع ألتقطها بوعي تام كنتُ غائبة تقريبا قابلتُ غيابي هذا بالضحك ، كنتُ أضحك ربما كنت أريد أن أعلقها في الهواء وأرفعها عاليا كما كانت تفعل بي دائما ولكنها كانت مثقلة بحقائبها وسفرها في الانتظار
تفاصيلها التي دوختني تظل عالقة بذاكرتي للعمر القادم ، كنت أحتفل بها بشكل صامت بينما كان احتفالها بي صاخبا ، تبتكر دائما الطريقة التي تدهشني وتدهش الآخرين لتخبرهم أنها تحبني أو تحب هذا فيني ، بينما كنت أبتكر شكلا أخر يحفرها في ذاكرتي ويوسع مداها في قلبي ، منذ جنونها الأول عندما كنا نفكر كيف يأخذ الأصبع شكله الأجمل بالطول أم بالصورة التي يشق فيها الظفر مكانه في أعلى الأصبع حتى المرة الأخيرة التي التقطت فيها صورة لضفيرة شعري لتخبرني في اليوم التالي أنها أصبحت تعرف عدد الثنيات في ضفيرتي

قلقها كان مختلفا كان يثير ضحكي كنت أراها تبالغ بشدة وأن هذا القلق لا يناسب صورتها الطائشة وهي تجد أن استهتاري لا يناسب صورتي المحافظة وكنا دائما على هذه الوتيرة من التناقض
كأن تلتفت إلي بشكل حازم جدا لتسألني
- صار عمرك 21 ؟
- إيه !
- احذري هذا العمر حساس جدا ، لأنك تتخيلين أنك تجاوزتِ المراهقة وأصبحتِ راشدة ، ولكن ستجدين أنكِ تتصرفين بشكل جنوني وغير محسوب . اسأليني فأنا جربت هذا الأمر قبل سنوات
ثم تتكفل بمراقبتي وتذكرني “هاه . هذا الـ 21 مشكلة ”
العمر يشكل بالنسبة إليها فارقا حاسما فتأخذ تدابير خاصة في مجابهة الزمن كأن تقرر بأنه يجب أن تستخدم ” كريم تجاعيد ” لأنها بلغت الخامسة والعشرين وتذكرني بضرورة ذلك عندما أبلغ الخامسة والعشرين ، ثم تذهب قبل أن أصل لهذا الرقم وقبل أن تخبرني إن كانت تدابيرها أوقفت سطوة الزمن على ملامحها وتركت لها الكريمات طفلة تتشبث بملامحها كلما نظرت إلى المرآة ، ذهبت قبل أن تخبرني إن كان الثامنة والعشرين يعد رقما مشكلة لأنه يجعل الراشدة ترحل مع رجلٍ غريب للوجه الأخر من الأرض
….

كيف سترى وجه طنجة ؟ هل يستسيغ خيالك طعم الخبز الحافي ؟
في الخبز الحافي سرد محمد شكري تفاصيل حياته منذ أن هجر وعائلته القرية باتجاه طنجة وحتى العشرين من عمره حين تعلم الكتابة والقراءة لأول مره .
تفاصيل صادمة لفرط حقيقتها ، ومقززة لفرط قذارتها . لم تصحبني المتعة عند قراءة الخبز الحافي ، بل كانت القراءة مربكة وصعبة ، ظلت شهوراً متقطعة .
ستفجع بالمهمشين ممن يسكنون الشوارع الخلفية لمدننا العربية ، سترى وجه “طنجة المنغرسة في الزمن الزئبقي” الحافية من كعوب زينتها الزائفة ، مشاهد غير معتادة لا تثير فيك الرغبة بالبكاء بقدر ما ستشعر بالرغبة في التقيؤ فهذا هو طعم الخبز الحافي و “الأدب الذي لا يُراوغ ”
حملت لنفسي الوعود بالدهشة والمتعة عند قراءة هذه الرواية وخابت الوعود إلا من دهشة وحيدة – صدق وشجاعة ونضال محمد شكري ضد / ومع جوعه وحرمانه ووضاعة حياته الأولى .
“صباح الخير أيها الليليون
صباح الخير أيها النهاريون … “
مهما كان نوع الإنسان الذي يمر بالخبز الحافي ليليا كان أم نهاريا حتما سيجد في سيرة شكري حال من الصعلكة والتشرد والتفاصيل المتنافرة جدا لوجه زمن قبيح عاشهُ هذا الرجل . الذي فاتهُ أن يكون ملاكا
ظلت هذه السيرة الروائية لعشر سنوات تنتظر أن يفرج عنها لتـُقرأ بالعربية كما كتبت ، بينما ترجمت للفرنسية والإسبانية وصارت عالمية قبل أن تكون عربية ، كان المغاربة يرفضون حديث شكري عن طنجة بهذا الشكل السافر ، ومن يقرأ الرواية سيعلم بأي قدر هي صادمة .
ولكن تظل الحقيقة وإن كانت موجعة أجمل ألف مره من الكذب ، كما بقي شكري مصرا على سيرته كما هي
“قل كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف ، حتما ، طريقها . لا يهم ما ستؤول إليه الأهم هو أن تشعل عاطفة أو حزنا أو نزوة غافية .. أن تشعل لهيبا في المناطق اليباب الموات “
* مابين الـ “ اقتباسات من الرواية
* هذه القراءة نشرت سابقا في مجلة فواصل

ولا أعرف السبب الفعلي لهذا الخلل الحاصل ، أشاهد صورتي البدائية بانفعال خفيف يشبه الحنين ، وآلة السمع في قلبي متسعة تطرق أبواب شاهقة ذات لذة عميقة .
أفقد التواصل تماما مع أشيائي الحاضرة دائما فتغيب ، لم أجرب العيش بعيدا عن قلبي وعقلي لم أجرب الخروج من دائرتي الخاصة والنظر إلي من بعيد كما أفعل الآن ، هل هو عطل شائع ؟ لا أعرف فعلا .
إرادة المعرفة أيضا معطلة وهي المحرك الأول والأقوى في رسم كوني الأصغر والأكبر المسطح والأكثر عمقا ، أريد أن أتلذذ بأني أجهل

كنت أنخلع على الكرسي شيئا فشيئا ، حتى بت أجلس أمامها عارية من كل الأشياء التي أرتديتها لهذا اللقاء كنت أتكلم وكانت صامته تنظر دون حراك حتى دون أن تشعرني أنها تتأثر بشيء مما أقول كانت تأخذ وضع الثبات الصارم جدا في محايدة انفعالها في الخروج من وضع التأثر كانت خارج الأوضاع كلها ، وفي مساحة واسعة من التأمل وأنا أمامها أحشر نفسي في مستطيل من كذب، رأسي صغير في أعلاه ولساني ينزلق في المساحة الأكبر منه
والأكاذيب غير شجاعة غادرتني منذ أن بدأت الكلام ، وأنخلعت عني سريعا ، ذابت على أطراف الكرسي والسجاد ، شكل الألوان الذي بدأ يرشح مني وينساب من تحتي ، وصورة عُريّ التي تنعكس على الأشياء حولي ” تربكني “
كنت أحاول أن أخبر شيء يشبه الحقيقة ولايشبهها ، والمرأة أمامي لاتهادن في حضورها باقية لاتغيب ولاتشاركني المشهد ، لو فعلت لو كذّبت أو صدقت لخرجت من المستطيل دون أن أكون عارية تماما من الكذب والحقيقة .

( حتى خيل إليها أن حبها العظيم الذي غاصت فيه قد أخذ يفيض من تحتها ، كمياه النهر التي تفيض في مجراه حتى تكشف لها الوحل … )
لو لم تكن خيبة الحب عميقة ، لو لم يكن للخيانة شكل الإنزلاق السهل ، لو لم تكن لمدام بوفاري هواجس الأنثى الجميلة ..
يصور غوستاف فلوبير في رواية مدام بوفاري إيما بروحها العالية بجنونها الخافت ، طموحها الشاسع والحب الذي أخذ إيما عاليا وهوى بها ، تداعيات الحب والخيبة والطمع والجنون المستتر خلف إتزان كاذب كانت هذه أشياء إيما النفسية والتي صنعت منها نموذج أدبيا فريد جعل رواية مدام بوفاري رواية خالدة مازالت تقرأ حتى الآن ، كان الإسهاب في وصف الحياة الريفية والبرجوازية المتواضعة طويل شعرت ببعض الملل في بداية الرواية وتجاوزت الأمر سريعا ، أما ترجمة د رحاب عكاوي جميلة ولم تخيبني